الابتعاث.. المواطنة والتغيير حقائب العائدين من السفر
يحيى الأمير
معي على الطرف الآخر من الخط الهاتفي طالبة تدرس في الولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، كان والدها إيجابيا للغاية واستطاع أن يوجد لها عملا بالإضافة إلى اشتغالها بالدراسة، أصبحت افتتاحية اليوم لديها تبدأ من قراءة الصحف السعودية على شبكة الإنترنت، وبينما لا تستطيع أن تقف موقفا محايدا من كل القضايا فهي على الأقل – كما تقول – تتابع المشهد من الخارج، وبعد هذه السنوات وبعد هذه المتابعة اليومية لانعكاسات حركة المجتمع التي تحملها الصحافة السعودية يوميا، تقول: الحمد الله أشعر بأنني سأعود وسط تغيرات اجتماعية قد أشاهدها في الإيقاع اليومي للحياة السعودية.
يبدو أن حالة من الاستيعاب الحقيقي بدأت تزدهر الآن في أوساط مختلف الشرائح وتحديدا الشباب من الذكور والإناث، هذا الاستيعاب تقع أهم مناطقه في أن الشارع بات مستعدا للمواجهة والوقوف مع كل المؤسسات التي تحمي مصالحه وحريته وهو تمأل لما يمكن أن يطلق عليه بأنه وعي بالمواطنة آخذ في التصاعد والازدهار، لأن أول وأبرز شروط الوعي بالمواطنة هو تلك المتعلقة بمعرفة الحقوق والواجبات والدفاع عن الحقوق والقيام بالواجبات. وتنامي الوعي الوطني هنا يثبت من خلال التجربة، فنحن أمام جيل بدأ يشعر أن الحامي الحقيقي لمشروعه في الحياة والنماء هو الدولة ممثلة في مختلف فعالياتها، وحتى حين يتخذ موقفا من جهاز حكومي فهو إنما يقف فيه خلف موقف الدولة، (تذكروا كيف وقف الناس خلف الملك عبدالله وهو يعلن موقفه من كارثة جدة)، مما يعني أن هذه الفترة هي فترة التقاء حقيقي في وعي الجيل الجديد من السعوديين بين طموحهم وبين الدولة كإدارة تدير وتخطط لوسائل تحقيق هذا الطموح، والذي هو في نهاية الأمر طموحها هي، ويتمثل هذا الالتقاء الآن في أفكار ومشروعات يمكن ملاحظتها بكل وضوح، فبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، والذي يمثل بمختلف تفاصيله حالة من الوئام الواسع بين القيادة والجيل الجديد من السعوديين رغم ما تعرض له من محاولات تخويف وتحذير كانت تستهدف المناطق التقليدية في أذهان الناس التي كانت تستمع كثيرا لتلك الأصوات، وتنصت لمن يرون في الابتعاث مشروعا للتغريب أو الحياة في بلاد الغرب والتأثيرات السلبية على أخلاق بناتنا وأبنائنا هم الآن يشعرون باستخفاف واسع وهم يستمعون إلى مثل هذه الآراء، بل إنها لم تعد لتحفز لديهم أي موقف للتحفظ أو الامتناع عن الالتحاق بمثل هذه المشروعات، وعشرات الآلاف من الطلاب والطالبات الذين يتدفقون على المشروع كل صباح هم يعلنون حالة اتحادهم والتقائهم مع دولتهم في مشروع واحد يبدأ من تأسيس أنفسهم ثم تأسيس مشروعهم الوطني الكبير.
يعد الابتعاث دليلا مؤثرا وواضحا على هذا الوعي المتنامي، الذي يمثل الانتماء أبرز وأهم أركانه، بعد أن ظلت الخطابات التي تؤثر في الوجدان دينية متشددة كانت أو قبلية أو مناطقية تجنح بالوعي إلى التوجه إلى انتماءات يحدد ملامحها الدين أو القبيلة ، فيما هما مكونان فقط من مكونات الوحدة الوطنية السعودية.
كأننا إذن أمام عائقين: الأول المتعلق بالخطاب المتكيء على فقه متشدد والذي غادره الناس وتحديدا الجيل الجديد، بل أصبح الفقيه التقليدي المتشدد من أقل الأصوات تأثيرا في حياة الناس بل باتوا لا يرون فيه سوى ما يعيق تطلعهم ويعكر صفو حياتهم، وعائق آخر يتمثل في إدارات وسياسات بعض الأجهزة الحكومية التي لا تزال تقدم خذلانا يوميا للمواطن، وتربك علاقته مع حقوقه، بل بات بعضها أقل من تلبية طموح مختلف الشرائح الوطنية ناهيك عن الجيل الجديد، الذي أصبح يشعر بالاستغراب كلما دخل إلى وزارة أو جهة حكومية ووجد نفسه أمام دهاليز وضعت للإخلال بحقوقه وشؤونه اليومية.
من الواضح أن الملك عبدالله يستوعب تلك المعادلة جيدا، وأبرز ما يحدث الآن من قبله يتمثل في أنه يخلق أبعادا أكثر جدوى وقوة للوطنية والعمل الوطني، حين يرتبط الجيل الجديد من الناس بكل ما يبني حياتهم ويحقق طموحهم، وهو ما يعيد خلق الوعي الذي طالما أجهدته المعارف والقيم التي لا مكان لها في مشروع بناء أفراد في إطار دولة ، ولاحظوا كيف كل مشروع من مشروعات الملك التي يقف وراءها بنفسه تحمل بعدا يؤثر بشكل إيجابي وكبير جدا في وعي المواطنة والانتماء، ذلك أن توفير كل المسارات الحقيقية والواقعية لبناء الإنسان تجعله بالمقابل أكثر امتنانا وإيمانا بشراكته وتحقيق ذاته من خلال قيمته الوطنية.
الذين ينامون ويستيقظون الآن على الترصد بالوطن من خلال أفكاره لا يقلون خطورة عن الذين يقومون بعمليات إجرامية لضرب منشآته ورموزه، فأخطر ما يهدد التشدد هو تنامي الوعي الوطني لأنه سيمثل خصمهم الحقيقي، ورادعهم الأبرز في المستقبل حين يشعر كل مواطن بأن كل تطرف يمثل تهديدا لحياته ومستقبله، والخائفون من الابتعاث هم ثلة من الموتورين بولاءات لا مكان لها في زمن الدولة، وخشيتهم تتجاوز الرؤية السطحية التي يتحدثون بها عن التأثيرات الأخلاقية السلبية على البنين والبنات، بل هم يخشون كثيرا من القيم الوطنية التي ستزدهر في نفوس الطلاب والطالبات بكل ما يحمله ذلك الوعي من انصراف عن التبعية الفكرية والإيمانيات السطحية، وبما تحمله الحياة في الغرب من تعويد على القيم المدنية العليا، إضافة إلى أنه ابتعاث للبنين والبنات. وهو ما يمثل ذعرا حقيقيا للتشدد بمختلف خطاباته. وبينما نترقب أن يمثل الابتعاث أحد دعائمنا التنموية، فهو بالمقابل سوف يمثل أحد جوانب البناء في وعينا الانتمائي والوطني.